الطبراني
11
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : ( وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) أي اختلطنا وشبّهنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى شكّوا ؛ فلا يدرون أملك هو أم رجل ؟ وهذا لأنّهم أنكروا نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بعدما عرفوه بالصدق والأمانة ، ثم لبسوا على أنفسهم وعلى ضعفتهم ؛ فقالوا : إنّما هو بشر ، فلو نزل الملك على صورة رجل للبسوا على أنفسهم أيضا فلم يقبلوا منه وقالوا : إنه في مثل صورتنا ! قوله عزّ وجلّ : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ؛ أي استهزأت الأمم الماضية بأنبيائهم كما استهزأ بك يا محمّد قومك ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) ؛ أي نزل بهم وحلّ بالمستهزئين من الكفّار عقوبة استهزائهم بالكتاب والرسول عليه الصّلاة والسّلام . وقال الضّحاك : ( كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا في المسجد الحرام مع جماعة من المستضعفين : بلال وصهيب وعمّار وغيرهم ، فمرّ بهم أبو جهل في ملإ من قريش ؛ فقال : تزعم يا محمّد أنّ هؤلاء ملوك الجنّة . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ليثبت فؤاده ويصبر على أذى المشركين ) . أي إن سخر أهل مكّة من أصحابك ، فقد فعل ذلك الجهلة برسلهم قبلك . والحيق في اللّغة : ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ، ومنه قوله تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ « 1 » . وأما الاستهزاء فهو إيهام التّفخيم بمعنى التّحقير . قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) ؛ أي قل لهم يا محمّد سافروا في الأرض ، ثم انظروا بأبصاركم وتأمّلوا بقلوبكم كيف صار إجرام المكذّبين بالرّسل والكتب مثل عاد وثمود وغيرهم ، الذين عذبهم اللّه تعالى بعذاب الاستئصال ، وكانت آثار ديارهم باقية قريبة من مكّة . وقال الحسن : ( معنى ( سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) أي اقرأوا القرآن وتفكّروا فيه ، فإنّ من قرأ القرآن وتفكّر فيه فكأنّه سار في الأرض ) .
--> ( 1 ) فاطر / 43 .